منتدى الخضمي


    إقامة البرهان في الرد على من أنكر خروج المهدي والدجال ونزول المسيح في آخر الزمان

    شاطر
    avatar
    سلطان الخضمي
    Admin

    عدد المساهمات : 304
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 11/05/2010
    العمر : 34

    إقامة البرهان في الرد على من أنكر خروج المهدي والدجال ونزول المسيح في آخر الزمان

    مُساهمة  سلطان الخضمي في الخميس يوليو 15, 2010 10:40 am

    من انكر ظهور المهدي في آخر الزمان ، وما أخبر به من خروج الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ، وهذه جراءة عظيمة وخطيرة جدا ، لأن إنكار الأحاديث الثابتة عن النبي ، ومقابلتها بالرد والاطراح ، يدل على الاستخفاف بأقوال رسول الله ، ويستلزم مشاقته واتباع غير سبيل المؤمنين ، وقد قال الله تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } وقال تعالى : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } وليس إنكار الأحاديث الثابتة عن النبي بالأمـر الهين ، لأن الله تعالى يقول : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } .

    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) . وهذا يدل على وجوب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله مما كان في الماضي ، وما يكون في المستقبل ، ويدل أيضا على أن عصمة الدم والمال إنما تكون لمن آمن بالرسول ، وبكل ما جاء به ، ومن لم يؤمن به وبما جاء به فليس بمعصوم الدم والمال ، وفي هذا أبلغ تشديد على من يرد الأحاديث الثابتة عن النبي ، ويعارضها برأيه أو برأي غيره .

    وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : من رد حديث رسول الله فهو على شفا هلكة .

    وقال إسحاق بن راهوية : من بلغه عن رسول الله خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر .

    وقال أبو محمد البربهاري في شرح السنة : إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها ، أو ينكر شيئا من أخبار رسول الله فاتهمه على الإسلام فإنه رجل رديء المذهب والقول ، وإنما يطعن على رسول الله وعلى أصحابه .

    وقال أيضا : لا يخرج أحد من أهل القبلة عن الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل ، أو يرد شيئا من آثار رسول الله ، أو يصلي لغير الله ، أو يذبح لغير الله ، فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام .

    وقال أيضا : من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله ، ومن رد حديثا عن رسول الله فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم .

    وقال إبراهيم بن أحمد بن شاقلا : من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها ، ولا جرح في ناقليها وتجرأ على ردها فقد تهجم على رد الإسلام .

    وقال ابن حزم في كتاب الأحكام : جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله أنه قاله ففرض اتباعه ، وأنه تفسير لمراد الله في القرآن وبيان مجمله . انتهى .

    وإذا علم ما ذكرته من الآيات والحديث وأقوال أهل العلم في التشديد على الذين يردون الأحاديث الثابتة عن النبي ، فليعلم أيضا أنه قد ثبت في ظهور المهدي في آخر الزمان عشرة أحاديث ، وقد ذكرتهـا وذكرت كـلام العلماء في تصحيحها في أول كتاب ( الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر ) فلتراجع هناك .

    وأما خروج الدجال فقد جاء فيه أكثر من مائة وتسعين حديثا من الصحاح والحسان ، وقد ذكرتها في الجزء الثاني من ( إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة ) فلتراجع هناك . وقد تواترت الأحاديث في خروج الدجال من وجوه متعددة ذكرتها في ( إتحاف الجماعة ) ولو لم يكن منها سوى الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في كل صلاة لكان ذلك كافيا في إثبات خروجه ، والرد على من أنكر ذلك .

    وقد روى عبدالرزاق بإسناد حسن ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم ويكذبون بالدجال ويكذبون بالحوض ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بقوم يخرجون من النار . وهذا الأثر له حكم المرفوع لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي وذلك لا يقال من قبل الرأي ، وإنما يقال عن توقيف .

    وقد ظهر مصداق ما جاء فيه من التكذيب بالدجال وغيره ، فأنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية ، وردوا الأحاديث الواردة فيه ، ذكر ذلك ابن كثير في النهاية قال : وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله ، وذكر النووي في شرح مسلم أن مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار إثبات خـروج الدجال خلافا لمن أنكره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة . انتهى .

    وقد تبع الخوارج والجهمية والمعتزلة على إنكار خروج الدجال كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا وقبله بزمان ، وأنكر بعضهم كثيرا من أشراط الساعة مما هو ثابت عن النبي ، وبعضهم يتأولها على ما يوافق عقليته الفاسدة ، وقد ذكرت بعض أقوالهم في ( إتحاف الجماعة ) فلتراجع هناك . ولو كان الذين أشرنا إليهم أهل علم على الحقيقة لما ردوا شيئا من الأحاديث الثابتة عن النبي ، ولكانوا يقابلونها بالرضا والقبول والتسليم .

    وأما نزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام في آخر الزمان ، فقد جاء فيه آيات من القرآن ، وتواترت الأحاديث عن النبي بالإخبار بنزوله ، وأنه يقتل الدجال ويكون في هذه الأمة حكما عدلا وإماما مقسطا ، وجاء في ذلك آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين ، وذكر بعضهم الإجماع على نزوله ، وأنه لم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة ، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافهم ، وقد ذكرت ذلك مستوفى في ( إتحاف الجماعة ) فليراجع هناك .

    وأما ما جاء في العنوان الأول عن نزول عيسى في آخر لزمان هو حقيقة يؤكدها القرآن أم مسألة تتنافى مع الإسلام ؟

    فجوابه أن يقال : بل نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخـر الزمان حقيقة يؤكدها القرآن ، قال الله تعالى في صفة رسوله : { وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى } وقد تواترت عن النبي أنه أخبر بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخـر الزمـان ، فيجب الإيمان بذلك لقول الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه }

    وقد جاء في ذلك آيتان من القرآن :

    إحداهما : قول الله تعالى : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال ابن عباس رضي الله عنهما : قبل موت عيسى بن مريم . رواه ابن جرير بإسناد صحيح . وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال : خروج عيسى بن مريم . قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين . ووافقه الذهبي في تلخيصه . وروى أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال : يعني أنه سيدركه أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى فيؤمنون به . وروى ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية نحو قول ابن عباس رضي الله عنهما .

    وهذا القول هو الصحيح في تفسير الآية ، وقد اختاره ابن جرير وابن كثير ، وبه يقول أبو مالك والحسن وقتادة وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم . قال الحسن : والله إنه لحي الآن عند الله ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون . رواه ابن جرير .

    وأما قول من قال من المفسرين : إن الضمير في قوله : { قبل موته } يعود إلى الكتابي . فليس فيه معارضة لما تقدم فقد يؤمن كل كتابي عند احتضاره بأن عيسى عبد الله ورسوله ، ولكن لا ينفعه إيمانه في هذه الحالة ، وأما الذين يؤمنون به بعد نزوله في آخر الزمان فإن إيمانهم به ينفعهم ، والله أعلم .

    الآية الثانية : قوله تعالى : { وإنه لعلم للساعة } وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والأعمش : { وإنه لعَلَم للساعة } بفتح العين واللام أي أمارة وعلامة على اقتراب الساعة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وإنه لعلم للساعة } قال : هو خروج عيسى بن مريم يوم القيامة . رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم في مستدركه وصححـه هو والذهبي . وقد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النـبي: { وإنه لعلم للساعة } قـال : ( نزول عيسى بن مريم قبل يوم القيامة ) صححه الحاكم والذهبي . وقد روي عن أبي هريرة ومجاهد والحسن وقتادة وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والضحاك نحو قول ابن عباس رضي الله عنهما .

    ومما جاء في الآيتين والأحاديث الثابتة عن النبي في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان ، وما قاله ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما من السلف في تفسير الآيتين من سورة النساء وسورة الزخرف يعلم أن نزول عيسى عليه الصلاة والسلام حق ، والحق لا يتنافى مع الإسلام ، ومن زعم أن نزوله يتنافى مع الإسلام فهو ممن يشك في إسلامه ، لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسـول الله ، إذ لابد في تحقيقها من التصديق بكل ما أخبر به رسول الله من أمور الغيب مما كان فيما مضى ، وما سيكون في المستقبل .

    وأما قول بعض المتخرصين : إن الأحاديث الواردة في نزول عيسى كلها مزيفة لا يقبلها العقل .

    فجوابه أن يقال : هذه مكابرة لا تصدر من رجل له أدنى مسكة من عقل ودين . وإذا كان عقل المرء فاسدا فلا شك أنه يتصور الحق في صورة الباطل ، وقد جاء في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام أكثر من خمسين حديثا مرفوعا أكثرها من الصحاح والباقي غالبه من الحسان ، فمن زعم أنها كلها مزيفة فلا شك أنه فاسد العقل والدين .

    وأما قول المتخرص : إن نزول المسيح لا يقره المنطق .

    فجوابه أن يقال : أما المنطق المستقيم ، والعقل السليم الذي يدور مع الحق حيثما دار فإنه لا يتوقف عن قبول ما جاء في كتاب الله تعالى ، وما تواتر عن رسول الله في نزول المسيح في آخر الزمان ، وأما المنطق المنحرف ، والعقل الفاسد ، فإنه لا يتوقف عن رد الحق وعدم قبوله ، ولا عبرة بالعقول الفاسدة ولا بأهلها .

    وأما قوله : وهو مستحيل لأن محمدا هو آخر الأنبياء بنص القرآن .

    فجوابه أن يقال : إن عيسى عليه الصلاة والسلام إذا نزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد ، ولا يحكم بالإنجيل ، وإنما يحكم بكتاب الله تعالى ، وسنة رسوله محمد، ويكون واحدا من هذه الأمة ، وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله: ( كيف أنتم إذا نزل عيسى بن مريم فيكم وإمامكم منكم )

    وفي رواية لمسلم : ( كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم ) .

    قال الوليد بن مسلم : فقلت : لابن أبي ذئب : إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة : ( فأمكم منكم ) قال ابن أبي ذئب : تدري ما أمكم منكم ؟ قلت : تخبرني . قال : فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى ، وسنة نبيكم .

    وقال أبو ذر الهروي : حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين قال : معنى ( إمامكم منكم ) أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل . وقال ابن التين : معنى قوله ( وإمامكم منكم ) أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة ، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم .

    وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين ، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن نبي الله كان يقول : ( إن الدجال خارج ـ فذكر الحديث وفيه ـ ثم يجي عيسى بن مريم عليهما السلام مصدقا بمحمد وعلى ملته ، فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة ) وقد رواه الطبراني ، قال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح .

    وروى الطبراني أيضا في الكبير والأوسط ، عن عبدالله بن المغفل رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ( ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال ـ فذكر الحديث وفيه ـ ثم ينزل عيسى بن مريم مصدقا بمحمد وعلى ملته إماما مهديا وحكما عدلا فيقتل الدجـال ) . قال الهيثمي : رجالـه ثقات ، وفي بعضهم ضعف لا يضر اهـ . قلت : والحديث قبله يشهد له ويقويه .

    وأما قوله في أحد العناوين : لو كان من أصول الإيمان الاعتقاد برجعة المسيح ، أو ظهور الدجال أو المهدي لجاء ذلك في القرآن صريحا محكما .

    فجوابه أن يقال : كل ما ثبت عن النبي أنه أخبر بوقوعه فالإيمان به واجب ، وذلك من تحقيق الشهادة بأن محمدا رسول الله ، وتحقيقها من أصول الإيمان ، ولا يكون المرء مؤمنا معصوم الدم والمال حتى يحقق الشهادة بالرسالة ، لقول النبي : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

    وقد ثبت عن النبي أنه أخبر بظهور المهدي في آخر الزمـان ، وبخروج الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ، فوجب الإيمان بذلك تصديقا لقول الله تعالى : { وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى } وعملا بقول الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه } وبما جاء في آيات كثيرة من الأمر بالإيمان بالرسول، والإيمان به لا يتم إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه ، وتصديق أخباره والتمسك بسنته ، وعملا أيضا بما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي تقدم ذكره .

    وأما قوله : ثم كيف يملأ المسيح الدنيا عدلا بعد أن ملئت جورا ؟ وهل هذا من سنة الله تعالى في الحياة الإنسانية ؟ وكيف يفيض المال عند رجعة المسيح فلا يقبله أحد ؟

    فجوابه أن يقال : من علم أن الله على كل شيء قدير ، وأنه ما شاء كان ، وعلم أيضا أن رسول الله لا يقول إلا الحق ، ولا يخبر إلا بالصدق ، لم يشك في شيء مما أخبر به رسول الله ، فيجب على المسلم أن يؤمن بكل ما جاء عن الله تعالى ، وما جاء عن رسـول الله ، ولا يعترض على أخبار الصادق المصدوق بكيف ولم ، وغير ذلك من أنواع الاستفهام الذي يدل على الشك فيما أخبر به رسول الله ، وعدم الإيمان به . وقد قال الله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما } .

    وأما قوله : وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال : ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل عيسى بن مريم فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الحرب ) .

    فجوابه أن يقال : إن الكاتب قد صحف في لفظ الحديث حيث قال فيه : ويضع الحـرب . والذي في الحديث : ( ويضع الجزية ) . ومن تعمد التصحيف في أقوال رسول الله فهو داخل في عداد الكاذبين على رسـول الله ، وقد تواتر عنه أنه قال : ( من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) ولعل الكاتب لم يتعمد التصحيف وإنما وقع منه سهوا ، أو وجده في بعض الكتب التي لم تصحح من الأخطاء المطبعية .


    وأما قوله : وبعد فإن هذه المرويات من الأحاديث والأخبار ، في شأن رجعة المسيح عليه السلام ، أو في شأن ظهور الدجال أو المهدي لا متعلق لها بالعقيدة ، سواء أصحت أو لم تصح ، وأن العقيدة الإسلامية قائمة على الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والحساب والجزاء والجنة والنار .

    فجوابه من وجهين :

    أحدهما أن يقال : كل ما أخبر به رسول الله فالإيمان به متعلق بالعقيدة ، لأنه لا يتم الإيمان بالرسول بالإيمان بأخباره ، ومن لم يؤمن بأخباره فهو فاسد العقيدة ، وقد تقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وفيه أن عصمة الدم والمال إنما تكون لمن آمن بما جاء به الرسول.

    الوجه الثاني أن يقال : إن أهل السنة والجماعة قد تلقوا ما جاء عن النبي في ظهور المهدي ، وخروج الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام بالقبول ، ودونوا ذلك في كتب الصحاح والسنن والمسانيد ، وذكـروا مضمونه في كتب العقائد ، قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في عقيدة أهل السنة والجماعة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار : والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر والأحاديث التي جاءت فيه ، والإيمان بأن ذلك كله كائن وأن عيسى بن مريم ينزل فيقتله بباب لد . انتهى .

    وقال أبو محمد البربهاري رحمه الله تعالى في شرح السنة : والإيمان بنزول عيسى بن مريم ينزل فيقتل الدجال ، ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد ويموت ويدفنه المسلمون . انتهى .

    والقائم من آل محمد هو المهدي كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال : ( ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي تعال صلِّ بنا فيقول : لا إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة ) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده بإسناد جيد ، وقد ذكره ابن القيم في الكتاب ( المنار المنيف ) وقال : إسناده جيد .

    وقال الطحاوي رحمه الله تعالى في العقيدة المشهورة : ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء . انتهى .

    وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه ( مقالات الإسلاميين ) : جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، وما جاء من عند الله ، وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردون من ذلك شيئا ـ إلى أن قال ـ ويصدقون بخروج الدجـال ، وأن عيسى بن مريم يقتله . انتهى .

    وهذا حكاية إجماع من أهل الحديث والسنة على التصديق بخروج الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام وقتله الدجال . والعبرة بأهل الحديث والسنة ، ولا عبرة بمن خالفهم من أهل البدع والضلالة والجهالة .

    وقال أبو محمد عبدالله بن أبي زيد القيرواني المالكي رحمه الله تعالى في رسالته المشهورة : والإيمان بما ثبت من خروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام حكما عدلا يقتل الدجال . انتهى .

    وقال أبو أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد في عقيدة له : وأن الآيات التي تظهر عند قرب الساعة من الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام والدخان والدابة وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات التي وردت بها الأخبار الصحاح حق . انتهى .

    وقال الموفق أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي في عقيدته المشهورة : ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا ، نعلم أنه صدق وحق ـ إلى أن قال ـ ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وطلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة وأشباه ذلك مما صح به النقل . انتهى .

    وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى : مسألة : عيسى بن مريم حي رفعه الله تعالى إليه بروحه وبدنه ، وقوله تعالى : { إني متوفيك } أي قابضك ، وكذلك ثبت أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق فيقتل الدجال ، ويكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية حكما عدلا مقسطا ، ويراد بالتوفي الاستيفاء ، ويراد به الموت ، ويراد به النوم ، ويدل كل واحد القرينة التي معه . انتهى .

    وقال القاضي عياض في شرح مسلم : نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حق صحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك ، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله ، فوجب إثباته وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم ، وزعموا أن هذه الأحـاديث مردودة بقوله تعالى : { وخاتم النبيين } وبقوله : ( لا نبي بعدي ) وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ . وهذا استدلال فاسد لأنه ليس المراد بنزول عيسى عليه السلام أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا ، ولا في الأحاديث شيء من هذا ، بل صحت الأحاديث أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ، ويحي من أمور شرعنا ما هجره الناس . انتهى كلامه ، وقد نقله النووي في شرح مسلم وأقره .

    وقال المناوي في شرح الجامع الصغير : أجمعوا على نزول عيسى عليه الصلاة والسلام نبيا لكنه بشريعة نبينا . وقال المناوي أيضا : حكى في المطامح إجماع الأمة على نزوله ولم يخالف أحد من أهل الشريعة في ذلك ، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة . انتهى .

    وقال السفاريني في شرح عقيدته : نزول المسيح عيسى بن مريم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة ، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه ، وقد انعقد الإجماع على أنه ينزل ويحكم بهـذه الشريعة المحمدية . انتهى .

    هذا ما ذكره علماء المسلمين في خروج الدجال ، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان ، وفيه أبلغ رد على قول الخطيب أن المرويات من الأحاديث والأخبار في شأن رجعة المسيح ، أو في شأن ظهور الدجال لا متعلق لها بالعقيدة .

    ومما ذكرته عن أهل العلم يتضح أن الخطيب قد خالف عقيدة أهل السنة والجماعة ، وإجماعهم على خروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ، ووافق أعداء الإسلام والمسلمين من الفلاسفة والملاحدة الذين أنكروا خروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام .

    وأما قوله : ولو كان من أصول الإيمان ، الإيمان برجعة عيسى أو ظهور الدجال أو المهدي لجـاء ذلك في القرآن الكريم صريحا محكما .

    فجوابه أن يقال : كل ما أخبر به رسول الله من المغيبات مما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل ، فالإيمان به داخل في ضمن الإيمان بالرسول ، وذلك من أعظم أصول الإيمان ، وقد جاء الأمر بالإيمان بالرسول في آيات كثيرة من القرآن وكلها محكمات . والإيمان بأخبار الرسول داخل أيضا في ضمن قول الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه } وداخل أيضا في ضمن قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وداخـل أيضا في ضمن قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } وهذه الآيات كلها محكمات ، وكلها تدل على أن تصديق أخبار النبي من أعظم أصول الإيمان .

    وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } قال : أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ، ثم جعل يتلو هذه الآية : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } .

    وأما قوله : إن مثل هذه الأخبار تفتح على الناس أبوابا من الفتن حيث تتطلع نفوس كثيرة إلى ادعائها كما حدث من ادعاء كثيرين لأنفسهم بأنهم المهدي المنتظر فأوقعوا الفرقة والقتال بين المسلمين ، وأنه ليس ببعيد أن يقوم في الناس يوما من يدَّعي أنه المسيح المنتظر فكيف تكون الحال حينئذ ؟! .

    فجوابه أن يقال : إن الأخبار الثابتة عن النبي لا ترد بمثل هذه الاحتمالات والتعليلات الخاطئة ، بل تصدق وتقابل بالقبول والتسليم ، ولو افتتن بمضمونها من افتتن من الناس . وقد قال الله تعالى آمرا رسوله أن يقول للناس : { وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين } وهكذا يقال في الأخبار الثابتة عن النبي أنها تقابل بالقبول والتصديق ، ولا يلتفت إلى ما يكون من أهل الفتن الذين يتأولون الأحاديث على غير تأويلها ويطبقونها على مـا لا تنطبق عليه .

    ويقال أيضا : إن المهدي المنتظر إنما يخرج في آخر الزمان قرب خروج الدجال وعند انتشار الفوضى والفتن ، ثم ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام فيصلي خلف المهدي أول ما ينزل كما جاء ذلك في حديث جابر الذي تقدم ذكـره ، ثم يذهب إلى الدجال فيقتله ، وحينئذ يكون قيام الساعة قريبا جدا ، وعلى هذا فمن ادَّعى من المفتونين أنه المهدي المنتظر ، ولم يخرج الدجال في زمانه ، فإنه دجال كاذب ، وكذلك من ادَّعى أنه المسيح بن مريم ولم يكن الدجال قد خرج قبله فإنه دجال كاذب ، وللمسيح بن مريم علامتان لا تكونان لغيره من الناس :

    إحداهما : أنه يقتل الدجال كما تواترت بذلك الأحاديث .

    والثانية : أنه لا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات ، ونَفَسه ينتهي حيث ينتهي طرفه ، كما جـاء ذلك في حديث النواس بن سمعان ، الذي رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة ، وقال الترمذي : غريب حسن صحيح . وفي هاتين العلامتين قطع لأطماع كل دجال يدَّعي أنه المسيح بن مريم .

    وقبل الختام أحب أن أنبه عبدالكريم الخطيب على خطورة الأمر في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ، سواءً كانت من أحاديث أشراط الساعة مثل ظهور المهدي ، وخروج الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام وغير ذلك من أشراط الساعة ، أو كانت من غيرها ، فإن الذي يرد الأحاديث الثابتة عن النبي إنما هـو في الحقيقة يرد على النبي ،

    ولا ينسَ الخطيب قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } وقول النبي : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) .

    ولعل الخطيب يراجع الحق ، فإن الحق ضالة المؤمن ، والرجوع إلى الحق نبل وفضيلة ، كما أن التمادي في الباطل نقص ورذيلة . والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين مارس 27, 2017 4:19 pm