منتدى الخضمي


    وهل إذا صح السند صح بالضرورة المتن؟

    شاطر

    سلطان الخضمي
    Admin

    عدد المساهمات : 304
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 11/05/2010
    العمر : 34

    وهل إذا صح السند صح بالضرورة المتن؟

    مُساهمة  سلطان الخضمي في الخميس يوليو 15, 2010 10:32 am

    المحدثين كي يتعرفوا على ثبوت الرواية من عدمه، لابد أن ينقدوا السند والمتن جميعاً، النقدَ الكافي الذي تتبين به صحة السند، وصحة المتن، أو عدمه، ومن يتتبع منهجهم يستطعْ أن يقول: لا يغلِّبون اختبار السند على اختبار المتن، والسبب في هذا أنهم اشترطوا شروطهم لصحة السند وشروطهم لصحة المتن، ومتى ما تخلف واحد أو أكثر من شروط الصحة انعدمتْ صحة الرواية، سواء أكان ذلك الشرط متعلِّقاً بالسند أم بالمتن...
    على أنه يمكن أن يقال إضافة إلى هذا: إن مما يظهر به قوة العناية بالمتن لديهم أنَّ نقد السند عندهم شرْط لصحة المتن، فيتبين بهذا أنّ نقد السند في منهجهم إنما هو لصالح نقد المتن، وإلا لما احتاجوا إلى النظر في السند أصلاً!.
    ومسالك نقد المتن عندهم أسهل من مسالك نقد السند، وبناء على هذا يمكن أن يشاركهم غيرهم في قدرٍ أو مستوىً مِنْ نقْد المتن، بخلاف نقد السند فلا يَقْدر عليه غيرُهم، وإن كانت قواعد النظر في السند عندهم –مع صعوبتها- أكثر اطراداً، وأوضح في ضوابطها من القواعد الخاصة بالمتن , ولا نستطيع أن نقول في نقد السند والمتن: إنَّ أحدهما هو الأساس بل كلاهما نقده أساس للتعرف على صحة الرواية , على أن دراسة السند تسبق دراسة المتن على أن نقد المتن في الحديث النبوي الشريف، يُعَدُّ أسبق في الوجود من نقد السند، إذ كانت الحاجة في أول الأمر تدعو إلى نقد المتن دون السند فكانت لهم مقاييس معينة في جانب النظر في المتن، بينما لم يتعرضوا لنقد السند لقربهم من المصدر –رسول الله عليه الصلاة والسلام , فلم يكن بينهم وبينه إسناد وكانوا جميعاً عدولاً. ولعل مما يشهد بأنهم – من حيث التاريخ- نقدوا المتن أوّلاً مثلُ كتاب الزركشي (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة)) فيكاد يكون كله في المتن وليس في السند ,,, ويتحوّل نقد المتن بدون سند إلى النظر في استقامة معناه في ذاته، ولا علاقة له في هذه الحال بالرواية، أي أنه بدون السند إنما يتعرّف الناقد على صحة معناه واستقامته دون أن يعزوه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام مثلاً أو إلى أحد غيره، لأن العزو إنما يكو بواسطة السند، فتكون نتيجة دراسة المتن – في هذه الحال – أن معناه صحيح أو غير صحيح أي مستقيم أو غير مستقيم ...وبهذا الاعتبار يكون السند هو الأساس في معرفة عزو المتن إلى من يروى عنه، في حين أنه – أي السند – لا يكفي وحده لإثبات النسبة أو معرفتها حتى يُنْقد المتن المروي وتتضافر نتائج دراسته مع نتائج دراسة السند في تَثْبيت الرواية أو عدمه ..
    فالمحدثون ينظرون في نقدهم للحديث إلى ناحيتين أساسيتين هما:
    1-البحث في الرواة.
    2-والبحث في المتن من الناحية العقلية إن اقتضى الأمر ذلك، أما بحثهم عن الرواة فيرتكز في زاويتين هامتين، هما:
    أ – شخصية حامل الحديث ومستواه الخُلقي وهو ما يُسمى في اصطلاح المحدثين بالعدالة.
    ب- وما رَوَى من العِلم ومدى دقته في نقله، وهو ما يسمى في اصطلاح المحدثين بالضبط والإتقان، لأننا نرى النقاد يصرحون أحياناً بصحة الحديث أو بالأحرى بصحة المتن، وفي الوقت ذاته
    يُخْبِرون بعدم معرفتهم عدالة الراوي، إذ لا يكفي لصحة الحديث أن يكون المتن صحيحاً بغض النظر عن سلوك الراوي، سواء كان صادقاً أم كاذباً، بل لابد أن يكون عدلاً أيضاً ,,,, سئل يحيى بن معين عن حاجب، فقال: "لا أعرفه، وهو صحيح الحديث" فإن اختلت العدالة لم تُقبل الرواية... ولو كان ما جاء به من الأحاديث صحيحاً وثابتاً، إذْ ما كانوا يقبلون حديثاً –ولو صحيحاً- إلا من يدٍ نظيفة ورجلٍ عدل، وإذا ثبتت العدالةُ وصحةُ الإسناد ووجدوا مشكلة في قبول الحديث ردوه أيضاً، وقالوا: "صحة الإسناد لا تستلزم صحة المتن"
    ومن الشروط الأساسية للحديث الصحيح أن لا يكون شاذاً، والشاذ هو: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو أكثر عدداً، ولا تعرف المخالفة من الموافقة إلا بمقارنة المتون ومعانيها، ويدل هذا على أن المحدث لا يستطيع أن يحكم على حديث بالصحة قبل أن يطمئن إلى عدم شذوذ متنه، الأمر الذي يَفْرِض عليه النظرَ في المتن أيضاً ...
    وقال ابن أبي حاتم: "تُعْرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره فإن خالفه في الحمرة والصفاء عُلِم أنه مغشوش، ويُعْلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره فإن خالفه في الماء والصلابة علم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد مَنْ لم تصح عدالته بروايته. والله أعلم"..
    وقال الخطيب البغدادي: "وإذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رُدّ بأمور:
    أحدها: أن يخالف موجبات العقول، فيُعْلم بطلانه، لأن الشرع إنما يَرِدُ بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا.
    والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيُعْلم أنه لا أصل "له" أو منسوخ.
    والثالث: أن يخالف الإجماع فيُسْتَدل على أنه منسوخ، أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحاً غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه...
    والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمُهُ فيدل ذلك على أنه لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.
    والخامس: أن ينفرد بما جَرَت العادة بأن ينقله أهل التواتر، فلا يقبل، لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية.
    ولقد سئل ابن القيم: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنْظر في سنده؟
    فأجاب رحمه الله قائلاً: "إنما يَعْلم ذلك مَنْ تضلّع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهَدْيه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبّه ويكرهه ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط للرسول عليه الصلاة والسلام بحيث كأنه مخالط للرسول عليه الصلاة والسلام كواحد من أصحابه"..
    ثم ذكر ابن القيم أموراً كلّيّة يُعْرف بها كون الحديث موضوعاً، منها:
    1-اشتماله على المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله كقوله في الحديث المكذوب: "من قال لا إله إلا الله، خَلَق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان..."
    2- سماجة الحديث وكونه مما يُسْخر منه كحديث: "لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً، ما أكله جائع إلا أشبعه".
    3- مناقضته لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بَيّنَةً كأحاديث في مدح مَن اسمه محمد وأحمد.
    4- أن يَدَّعِيَ على النبي أنه فعل أمراً ظاهراً بمحضر من الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه، كما يزعم أكذب الطوائف أن رسول الله قال في حجة الوداع: "هذا وَصِيّي وأخي والخليفة بعدي".
    5- أن يكون الحديث باطلاً في نفسه كقولهم: "إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية".
    6- أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلاً عن كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام
    كذلك :
    1- أن يكون الحديث بوصْف الأطباء والطرقية أشبه، كقولهم: أكل السمك يوهن الجسد.
    2- مخالفة الحديث صريح القرآن.
    3- ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها ...

    مثال ذلك: حديث أبي رافع رضي الله عنه الله عنه عندما عقد للنبي صلى الله عليه وسلم على ميمونة وهو حلال، فخالف في ذلك ابن عباس رضي الله عنه فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ميمونة وهو محرم، فـابن عباس قد خالف أبا رافع وخالف صاحبة القصة ميمونة رضي الله عنها التي قالت: (ما عقد عليّ النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو حلال)، فحديث ابن عباس سنده صحيح لكن متنه فيه شذوذ؛ لأن ابن عباس خالف في ذلك كما ذكرنا.
    وأظهر مثالين في ذلك:
    الأول: حديث في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب)ثم بينهم بقوله (هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون). هو فانفرد مسلم برواية (لا يرقون). فهي شاذة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رقى، وجبريل عليه السلام قد رقى، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرقية، فكيف نقول: بأن ذلك قدح في التوكل! فهذه الزيادة شاذة.
    الثاني: حديث البسملة، وهو من حديث أنس قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر وعمر كلهم يفتتح الصلاة بـ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "، ولا يذكرون "بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ" . فدل ذلك على أن هذه الزيادة "بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ "شاذة وأسانيد التي فيها ذكر البسملة موجودة في مسلم ، ولكن المتن شاذ؛ لأنه مخالف الروايات الثقات.
    وقد انشغل بنقد المتن مع نقد السند ابن الجوزي و ابن القيم عليهما رحمة الله تعالى، فقد انشغلا جداً بمسألة المتون، وأيضاً بالأسانيد، وكذلك الإمام الشوكاني . فهؤلاء نظروا إلى المتون ومحصوا النظر فيها، هل تصح عن النبي أو لا تصح، وهذه القواعد التي أخذوها عن السلف لم يحيدوا عنها قيد شعرة، فهي قواعد وضعها علماء الإسلام من عهد الصحابة ومن بعدهم، فصاروا على نهجهم.......

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت فبراير 25, 2017 10:29 pm